يوسف زيدان

100

إعادة اكتشاف ابن نفيس

يقول : وقد دلّ الاستقراء على أن لرطوبات هذا العالم انفعالات ، عند أحوال تعرض في القمر ، فإنها تنقص عند الاجتماع وتزداد عند الاستقبال والتربيع ؛ ولذلك تزداد الأدمعة ومياه العيون والآبار في أنصاف الشهور ، وتنقص في أواخرها « 1 » . ثم يمضى في استقاء كافة الجوانب المحيطة بنوبات البحران ، ليضع في النهاية ذلك القانون الخاص بأوقات البحران ، والذي يرد في عديد من مؤلفاته . وقد أشار العلاء لهذه القاعدة المنهجية وفائدتها ، حين قال في شرحه على أبيذيميا أبقراط ما نصه : إن المسائل المعلومة ، إذا جمعت كلها في قاعدة ، سهل إقامة البرهان على تلك المسائل كلها ؛ لأن البرهان الواحد الذي يقيم عليه تلك القاعدة ، يكون برهانا على كل واحدة من تلك المسائل ، وإذا ثبتت تلك القاعدة ؛ فأىّ جزء من الأحكام دخل فيها ، علم أنه صواب « 2 » . اللّغة العلميّة لم يكن باستطاعة علاء الدين ( ابن النفيس ) وهو العالم المنهجي ، أن يصوغ آراءه وأفكاره العلمية ، واكتشافاته ، بغير لغة علمية رصينة . ولا يفوتنا هنا أنه كان على وعى تام بالدرس اللغوي في عمومه ، وله في اللغة والنحو مؤلفات ، حتى كان ابن النحاس لا يرضى بكلام أحد في القاهرة في النحو ، غير كلامه ! كما مرّ بنا فيما نقله عنه ابن فضل الله العمرى « 3 » . ومن اللغة في عمومها ، إلى لغة الكتابة العلمية ؛ يبدأ علاء الدين ( ابن النفيس ) بالعناية بدلالة الألفاظ والمفاهيم الاصطلاحية ، متجنبا فوضى الدلالات التي تخرج عن حدود العلمية في الكتابة . ومن هنا ، كان شديد الولع بالتحليل اللغوي للمفردات ؛ انظر إليه حين يسعى لتبيان حدّ الطبّ ، فنراه لا يبدأ بالطب ! وإنما بلفظة الحد . . قائلا :

--> ( 1 ) ابن النفيس ، شرح فصول أبقراط ، ص 181 . ( 2 ) ابن النفيس : شرح كتاب أبيذيميا لأبقراط ، مخطوط دار الكتب المصرية ، رقم 583 ، طب طلعت . ( 3 ) راجع نص الترجمة في الفصل الثالث من الكتاب .